اليوميات التي يكتبها د محمد طلال الرشيد وتنشر في مجلة أريج وتؤرخ بشكل قصصي يوميات مدير وهمي ولكنه موجود على أرض الواقع. نزولا عند رغبة القراء وخصوصا من يعيشون في مكان تمنع فيه مجلة أريج تم انشاء هذا الموقع ليتمكن من أراد الوصول إلى القصة.
أرشيف القصص
3 ابريل 2012
الجزء 47
2 فبراير 2012
الجزء 46
1 يناير 2012
الجزء 45
1 ديسمبر 2011
الجزء 44



إنّ القصص المذكورة في هذا الموقع قد نشرت من قبل مجلة أريج. لقراءة القصص الكاملة في مجلة أريج زوروا هذا الموقع
(الجزء 48)
يوميات تطلي 48


الولائم لا تسعد أحد ولا ترحم أحد ولا فائدة منها وكل الأمل في أنها تجمع الناس وتساعد على التقارب كلام فارغ. خبرتي المتواضعة تقول هكذا. معظم من يأتي أو يجبر أن يحضر وليمة لسبب اجتماعي أو مادي أو عائلي يحضرها وهو كارها. صاحب الوليمة يتكلف الكثير وفي النهاية لا يرضي أحدا بما وضع أمامهم. الكثير من الطعام يذهب هباء. وبدل أن تكون مناسبة للتآلف، تصبح الوليمة مناسبة للنميمة والغيبة والحسد والكلام عن الناس وعن أحوالهم. ماذا نفعل إذن؟ نبقى كما نحن ونخترع الوليمة ونعيش جوها كاملا. لا مناص.

وليمة تطلي على شرف بنجي أسوأ أنواع الولائم. حفل الزواج شر لا بد منه، ولكن وليمة على شرف مدير أو تجمع لبشر لا يجمعهم سوى أنهم يعملون في مكان واحد فهذا فحش ونفاق ورياء. ومع ذلك الحق يقال: عناء تطلي متعة لنا جميعا.

بدأ الحفل.

بنجي يتمايل حين يمشي ويهز حين يجلس. في الحالتين تبقى غترته البيضاء والمشبعة بالنشاء مسدلة خلف كتفيه فتبدو وكأنها أذني كلب نائم. هو في هذه الحالة أفضل من الذي نراه على شاشة التلفزيون ناسفا الغترة فوق الرأس ومبقيا نصفها مسدلا على أذنيه فيبدو وكأنها أذني كلب متلهف على طعام. لبس الغترة والشماغ فن...وهذا الفن يتعلمه الطفل مع الزمن ويرتاح لوجود قطعة قماش على رأسه حتى تصبح جزء من رأسه.

جلس بنجي متصدرا المجلس وكأنه كسرى أنو شروان أيام العز. المصيبة أن كسرى كان يحكم نصف الدنيا آنذاك وبنجي لا حكم له إلا علينا المستضعفين في الأرض. جمع السلطة والسطوة مع الحماقة في شخص واحد آفة الدنيا منذ خلق الله الكون. وبحكم كثرة عدد هؤلاء المتسلطين الحمقاء على هذه الأرض أرى أن معظم الشر في هذه الأرض لا يأتي من شياطين ولا من جن ولا من أقدار ولا حتى من دودة الأرض...الشر في هذه الدنيا مصدره الإنسان فقط. نحن أكبر شيطان في الكون. لو لم يكن هذا هو الواقع لما أمر الله عز وجل إبليس أن يسجد لأدم. إبليس هو أبو الشياطين وآدم أبو البشر. من أمر أن يسجد لمن؟ والسجود علامة الخضوع. والباقي عليكم.

على كل حال لا يختلف لدينا الناس على أن بنجي شيطان من نوع ما. وكي نكون على بينة وحق يجب أن نذكر أنه شيطان درجة عاشرة. أي خرطي بالعامي. خبثه في ذاته وسلطته تأتي من المنصب. في حال ذهاب المنصب يبقى الخبث... والشيطنة تضيق دائرتها. للأسف، في ليلتنا هذه كانت شيطنة بنجي على مصراعيها وفي أوسع دوائرها. ولم يعان أحد من هذه الصفات القاتلة كما عانى تطلي. كان يقف أمامه يصب له الشاي ويقدم له الحلوى ويحاوره...كل هذا وبنجي يرفض أن يقابل العين بالعين والرد على الكلمة أو حتى الشكر على ما يقدم له. كان رأسه يتزاور ذات اليمين وذات الشمال وكأنه الشمس على أهل الكهف. تطلي تجرع الإهمال والإهانة وسار على الدرب لا يحيد.

الجميع يبارك بالصوت الرفيع لبنجي على الترقية ويعزي تطلي شامتا بصمت على فوات الفرصة وضياع الترقية. من هم في منصب أو مستوى بنجي الإداري في أعينهم نقد للوضع الذي يسمح لموظف مثل بنجي بالوصول إلى هذه المستويات. ولكنهم ينسون أنفسهم. لولا غباء من يوقع على الترقية والمصالح المشتركة والفساد والخبث لما وصلوا هم إلى ما وصلوا إليه. ولكنهم مثل الجمل الذي (كما يقال في الشمال) لا يرى "عوج رقبته."  أما من هم دون مستوى بنجي الإداري فكانوا منقسمين.

بعض منهم (المنافق المحترف) يجهر بالصوت مباركا ويعدد مناقب بنجي على مسمع الجميع وكأن بنجي أتته رسالة من السماء. هؤلاء يحملون دكتوراه في النفاق مقابل ثانوية منافقي المدينة المنورة في التخصص ذاته. أشهرهم لدينا موظف مربوع أسمر اللون منتفخ البطن اسمه كردوس. وقف في وسط المجلس وجهر بالصوت حتى سكت الجميع يحسبون أن به شر. لم يكن به شر ولكن كان به كلام كله شر على الناس. قال:

"ألف مبروك يا سعادة المدير. أتاك حقك وإن كنت تستأهل أكثر من ذلك بكثير. لم نعلم في هذه السنين الطويلة من الخدمة بأحد تحصل على ما تحصلت عليه وكان لها أهلا أكثر منك. عهدناك صارما محقا في العمل..راحما رحيما للموظف..عادلا في التعامل مع الناس...ومنجزا لكل ما أوكل لك. ولولا وجود سعادتكم المبارك على رأس هرمنا الوظيفي في هذا الجزء من المؤسسة المباركة لما تم العمل كما يجب ولا تطورت المؤسسة ولا أشرقت شمس الحرية...ولا أفل نجم الظلام..ولا أنبتت أرض العمل ثمارها...ولا تطورت المؤسسة..ولا ..."

كل هذا الكلام وبنجي يبتسم موافقا وراضيا عن ما يقول الكردوس الأحمق. كان جلنا يقف وراء الجالسين أو متجمعا عند باب المجلس. زكزك كان يجلس إلى جوار أخيه بنجي كما هدد ونفذ. صرخ زكزك مقاطعا كردوس: ....ولا غنت أم كلثوم...ولا مات عبد الحليم...ولا رقصت فيفي عبده... ولا مات طلال مداح غيضا...ولا ولدت معزة أبو عارف الفراش...ولا أنجبت مرات هادي العاقر...كفايه يا كردوس قرفتنا. أنته بتتكلم عن أخويا وامي زاتها ما توافق على الكلام دا كله...

قبل أن يكمل زكزك كلامه جذبه بنجي من ذراعه وأجلسه قائلا: أخويا متواضع في حاله زيي تماما. معليش يا كردوس...كمل كلامك.

أكمل كردوس كلامه ولكن الجمع بدأ بالكلام والهمس واللمز والثرثرة حتى رأى الكردوس أن لا أحد يستمع إليه فتوقف عن الكلام.

كان طراد يقف ورائي فسمعته قائلا: ذهب الحياء من الناس. والله لو هاالكلام ينقال عند البدو وهم أكبر منافقين على وجه الأرض لضربوا هاالكردوس المروح.

قلت: الحق على اللي يسمح له بالكلام.
طراد: بنجي مرفوع عنه القلم. بس الناس لازم تعرف حدود المعقول. حتى لو كان كل هاالكلام في بنجي صحيح وفعلي ما أحد صدقه.
قلت: بنجي مصدقه. وذا يكفي.
قال أحد زبانية بنجي المنافقين وكان يقف يستمع لكلامنا: والله أقول للمدير عن كلامكم يا بدو.
طراد: يا ريت. ولو تبي أقوله أنا وأريحك. بس لك عندي كف يا طرش بحر الهند تبقى حمرته على وجهك اللي مثل بومة الثور سبع سنين عجاف.
لم يفهم الرجل نصف ما قال طراد ولكنه فهم الرسالة من النبرة. ضحكت رغما عني وأنا أراه ينسحب وراء بعض من كان يقف حولنا.

كان تطلي ينزف عرقا وقرفا وهو يدور بين المعازيم الجالسين على الكراسي محتفيا ومرحبا ومقدما وخاضعا. كل هذا وهو يرى في أعينهم الشماتة على الترقية التي ضاعت وعلى إهانة إقامة العزيمة رغما عنه. علمت أن مستوى السكر في دمه قد بلغ السماء وضغط دمه على وشك الانفجار. سحبت نفسي ودخلت على زوجته وعائلته وطلبت منهم الدواء. كانوا يعرفوني حق معرفة ويروني كثيرا حين آتي بالجرائد إلى المنزل أو أقدم الخدمات لبنجي. أعطوني ما طلبت ونجحت في الإمساك بتطلي حين خرج من المجلس وأجبرته على أخذ الدواء.
قال: ربنا يسترها معاك يا ولدي.
قلت في نفسي لعل وعسى أن تتذكرها مع علمي اليقين بأن الغد لن يأت إلا بالنكران من تطلي وأشباه تطلي.

حان وقت العشاء. ذهبت وتطلي لتفقد المائدة. تسلل زكزك وحضر معنا. رأيت ما كنت أتوقعه. كل منتجات حراج الصواريخ حاضرة بكثرة. الطبيخ كان من صنع الخادمات الأندنوسيات إلا الحلوى. الحلوى كانت ما يعرف بأم علي. قال تطلي مفتخرا وهو ينظر إلى الصواني المملوءة بالحلوى المصرية: كل هادا من شغل المدام. هيا متخصصه بأم علي.
قال زكزك: ممكن أدوق؟
تطلي: تدوق أيه يا ولد؟ تخرب المنزر.
زكزك: هوه فيه منظر؟ هادي عامله زي المهلبية اللي ما جمدت.
تطلي: بعدين تزعل منك أم علي.
زكزك: مراتك ولا الحلوى؟
تطلي: بلاش كلام فاضي يا حبيبي.

أكبر أولاد تطلي أسمه علي. وعلى هذا الحلوى والمدام يشتركان بالاسم: هذه أم علي وتلك أم علي.

تقدم بنجي المعازيم نحو المائدة العامرة. الغريب في هؤلاء الناس أنهم يأكلون في الولائم وكأن أحدهم لم يذق طعم الأكل منذ أيام. الشراهة علامة الخبث واللؤم. وكلاهما لدينا بكميات تفوق الرمال في صحراءنا. وقف تطلي يراقب الناس وهي تتقدم على الطعام وجلا ويتصبب منه العرق. قال زكزك الذي وقف مراقبا معنا: أيش به صاحبك مرتبك؟
قال طراد: خايف الأكل يخلص قبل ما تشبع الناس.
زكزك: هوا دا المطلوب.
طراد: يمكن غير رأيه عن الخطه.
زكزك: يبقى ياكل هوه تبن.

حين بدأت صواني حراج الصواريخ بالنفاذ هرع تطلي يدعو الناس لتذوق الحلوى. لا شك بأن كميتها كانت كبيرة لسبب أو لآخر. أخذ يسكب أم علي في الصحون بيده ويقدمها أولا لبنجي ومن ثم لكبار المعازيم رغم أنهم كانوا لا يزالون منهمكين بتجرع الطعام المنتهية صلاحيته. كان يحضهم على تناول أم علي قائلا: ذوق هادي..المدام شاغلتها بايدها. ما ح تدوق أم علي زي هادي في حياتك. المدام متخصصه بيها.
قال أحدهم وهو يتذوق مكرها أم علي رغم أن شهيته لا زالت في الزفر الأندونيسي: فعلا طعمه. ليه ما تفتح لها مطعم ما دامت شاطره كدا.
تطلي: والله فكره. اهيه منها ربح وتشغلها شويه.
قال الرجل: تشغلها كتير..
ضحك وزاد قائلا: أنته واخد بالك؟

تجاهله تطلي وسار نحو الثاني مكررا: ام علي هادي من شغل المدام. دوقها.

في نهاية الأمر لم ينجو أحد من أم علي على يد تطلي. تحصل تطلي على ما يريد. شغل الناس المهمة في وليمته عن الطعام الاندونيسي قبل نفاذه. حين أقبل الرعاع (نحن) على الطعام أو ما تبقى منه، كان تطلي في حل من الحرج.
سمعته يتمتم وهو ينظر إليهم مقبلين على الطعام: شوف الحوش! عنهم ما أكلوا يا رب. فجعانين.

استدار حانقا وعاد للمعازيم المهمين. كان يسير بينهم سائلا: عجبتكم أم علي؟ طعمه أم علي مش كده؟ لذيذه أم علي. حلوة أم علي.

كثر كلامه وترديد أسم أم علي حتى تنبه أحدهم للربط بين الحلوى وزوجته..بالأسم على الأقل. فجأة تنبه الجمع لزلة تطلي اللغوية والمشبعة باللمز. كل هذا وتطلي غائب عن الوعي مرددا: أم علي هادي حاجة تانية. أم علي ليها فوائد كتيره. أم علي لزيزة...أم علي وأم علي....

تحولت النظرات المشبعة بالهزل إلى ابتسامات ثم إلى همسات وأخيرا إلى ضحك علني.

قال زكزك: يا جماعة حد يقول للحمار هادا يبطل الكلام السخيف. هوه مش شايف اللي بيحصل؟
طراد: الله يكون بعونه.
زكزك: ما تعمل حاجه يا طراد.
طراد: وانا وش علي...حيلهم بينهم.
زكزك: وانته يا سكرتير ليه ما تقول حاجه؟
أنا: أخاف يحسبني مسئول عن الموضوع.
زكزك: الله يخرب بيوتكم. عاملين فيها رجال...أنا أوريكم.

ذهب زكزك وجذب تطلي من ذراعه ساحبا إياه من وسط المعازيم الذين وجدوا به ترفيه يضاهي الولائم التي حضروها من سنين.

لا أدري ماذا قال له زكزك بالضبط لأنه همس له بشيء قبل وصولنا. رأيت تطلي يتمايل وهنا وكأنه على وشك السقوط أو الإغماء. قال طراد: تعال نشوف صاحبك قبل يطيح على الأرض. الله يستر من نهاية ها الليلة.

ذهبنا نساند زكزك في محنته ونسند تطلي كي لا يقع على الأرض.

أجمل ما في تلك الولائم أن الناس ترحل من مائدة الطعام إلى الخارج. انتهى الأمر والله المستعان. وقف تطلي مجبرا (ونحن نسنده) عند الباب مودعا الناس...أو على الأقل الناس المهمين. كل خارج كان يرشقه بابتسامة صفراء. البعض لم يكتف بالابتسام بل زاد بالكلام.

كتر خيرك يا أبو علي...أم علي كانت ممتازه.
أم علي كانت ممتعة.
أم علي كانت حلوة.
أم علي كانت جميلة.
أم علي كانت طعمه.

مع كل كلمة كنت أشعر وأنا ممسك بتطلي بجسده يهتز وجلا. أشفقت عليه من الناس ومن نفسه.

حين رحل الناس أدخلنا تطلي المنهك على أهله وخرجنا أنا وطراد وزكزك.

قال طراد يخاطبني: قل لي يا للي ما تتكلم. كيف هاذي تنكب؟